من قاعة المحكمة إلى دهاليز الدبلوماسية.. محاكمة إيرانية في باريس على وقع ملف رهائن
من قاعة المحكمة إلى دهاليز الدبلوماسية.. محاكمة إيرانية في باريس على وقع ملف رهائن
تحولت قاعة المحكمة في باريس، الجمعة، إلى مسرح تتقاطع فيه اعتبارات العدالة الجنائية مع رهانات السياسة الدولية، بعدما طلبت النيابة العامة الفرنسية الحكم بالسجن أربعة أعوام، ثلاثة منها مع وقف التنفيذ، بحق الإيرانية مهدية إسفندياري، في قضية أثارت اهتماماً إعلامياً وسياسياً واسعاً؛ نظراً لاحتمال ارتباطها بملف تبادل محتجزين بين فرنسا وإيران.
تكتسب القضية حساسية خاصة في ظل سعي طهران إلى مبادلة إسفندياري بالفرنسيين سيسيل كولر وجاك باريس، المحتجزين في إيران منذ عام 2022، وهو ما أضفى على المحاكمة أبعاداً تتجاوز الإطار القضائي التقليدي، وفق وكالة فرانس برس.
مطالبات بعقوبات متفاوتة
لم تقتصر طلبات النيابة العامة على إسفندياري وحدها، بل شملت أربعة متهمين آخرين يحاكمون معها بتهمة تمجيد الإرهاب، حيث طالبت بعقوبات تصل إلى السجن ثلاث سنوات مع النفاذ بحقهم، واعتبرت النيابة أن الأفعال المنسوبة إليهم تمثل خطورة حقيقية على السلم العام، نظراً لارتباطها بخطاب تحريضي عبر الإنترنت.
وطلبت النيابة العقوبة الأشد بحق الكاتب اليميني المتطرف آلان سورال المعروف بسجله القضائي الحافل بالإدانات السابقة، والذي تغيَّبَ عن جلسات المحاكمة. كما دعت إلى إصدار مذكرة توقيف بحقه، معتبرة أن غيابه يعكس استخفافاً بسلطة القضاء.
وضع خاص للمتهمة الرئيسية
ورغم مطالبتها بحكم بالسجن، رأت النيابة العامة أنه ليس من الضروري إعادة إسفندياري إلى السجن؛ لأنها قضت بالفعل ثمانية أشهر في الحبس الاحتياطي قبل الإفراج عنها في أكتوبر الماضي ووضعها تحت الإشراف القضائي.
وتبلغ إسفندياري 39 عاماً، وهي تخضع للمحاكمة منذ الثلاثاء بتهم ثقيلة تشمل تمجيد عمل إرهابي عبر الإنترنت، والتحريض المباشر على عمل إرهابي، وهي جرائم قد تصل عقوبتها إلى السجن سبع سنوات وغرامة مالية قدرها 100 ألف يورو، إضافة إلى تهم أخرى تتعلق بالتجريح العلني على أساس الأصل أو الدين، والانتماء إلى عصابة مجرمين.
اتهامات تتعلق بالنشاط الرقمي
تستند النيابة العامة في اتهاماتها إلى نشاط رقمي مكثف نسب إلى إسفندياري خلال عامي 2023 و2024. ووفقاً لملف الادعاء، قامت المتهمة بنشر محتويات على حسابات حملت اسم محور المقاومة، عبر منصات تلغرام وإكس وتويتش ويوتيوب، إضافة إلى موقع إلكتروني يديره آلان سورال.
وأشارت النيابة إلى أن هذه الحسابات أشادت بهجوم حركة حماس الفلسطينية على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، واعتبرت أن بعض المنشورات تضمنت تحريضاً مباشراً على أعمال إرهابية، إلى جانب إساءات للجالية اليهودية، وهو ما دفع وزارة الداخلية الفرنسية إلى إبلاغ القضاء بهذه الأنشطة.
اعتراف جزئي ونفي أساسي
أمام منصة القضاء الفرنسي أقرت إسفندياري بأنها صاحبة فكرة إنشاء قناة محور المقاومة، لكنها نفت بشكل قاطع أن تكون هي من صاغ أو كتب المنشورات محل الاتهام، وبدت المتهمة حريصة على تقديم نفسها بوصفها ناشطة سياسية ذات مواقف، لا عنصراً محرضاً على العنف.
غير أن ممثلة النيابة العامة شككت في هذه الرواية، معتبرة أن المتهمة تقدم صورة مثالية عن نفسها، في حين أنها في صلب النشاط الإجرامي محل المحاكمة، ودعت المحكمة إلى أخذ سياق التدخل الأجنبي في الاعتبار، حتى وإن لم يكن هذا الجانب مشمولاً رسمياً في لائحة الاتهام.
قضية على تماس مع الدبلوماسية
لا يمكن فصل هذه المحاكمة عن السياق الدبلوماسي المتوتر بين باريس وطهران، إذ تسعى السلطات الإيرانية، بحسب مصادر مطلعة، إلى مبادلة مهدية إسفندياري بالفرنسيين سيسيل كولر وجاك باريس اللذين أوقفا في إيران في مايو 2022، وصدرت بحقهما لاحقاً أحكام بالسجن 20 و17 عاماً بتهمة التجسس لمصلحة إسرائيل.
وكان قد أفرج عن كولر وباريس مطلع نوفمبر 2025، مع منعهما من مغادرة الأراضي الإيرانية، حيث يقيمان حالياً داخل السفارة الفرنسية في طهران، في وضع قانوني وإنساني معقد.
توازن حساس بين القانون والسياسة
يرى مراقبون أن القضاء الفرنسي يجد نفسه أمام معادلة دقيقة، تتمثل في تطبيق القانون بحزم من جهة، وعدم تجاهل التداعيات السياسية والإنسانية المحتملة من جهة أخرى، فالحكم في هذه القضية قد يؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر في مصير مواطنين فرنسيين لا يزالون عالقين في إيران.
وفي الوقت نفسه، تؤكد السلطات القضائية الفرنسية تمسكها باستقلالية القضاء، ورفضها أي ضغوط سياسية قد تؤثر في مسار المحاكمة أو مضمون الأحكام.
مرافعات مرتقبة
من المقرر أن يقدم فريق الدفاع عن إسفندياري مرافعاته بعد ظهر الجمعة، وسط ترقب لما سيحمله من دفوع قانونية، سواء فيما يتعلق بصحة الأدلة الرقمية، أو بتوصيف الأفعال المنسوبة إلى المتهمة، ويتوقع أن يركز الدفاع على نفي نية التحريض على الإرهاب، والتشكيك في مسؤولية موكلتهم المباشرة عن المحتوى المنشور.
ويبقى القرار النهائي بيد المحكمة التي ستفصل في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في فرنسا خلال الفترة الأخيرة.
شهدت فرنسا خلال السنوات الماضية تشديداً ملحوظاً في القوانين المتعلقة بمكافحة الإرهاب، خاصة في الفضاء الرقمي، حيث بات تمجيد الأعمال الإرهابية أو التحريض عليها عبر الإنترنت جريمة يعاقب عليها القانون بعقوبات صارمة، وفي المقابل، تتهم منظمات حقوقية بعض الدول، ومنها إيران، باستخدام ملف المحتجزين الأجانب ورقة ضغط دبلوماسية في علاقاتها مع الغرب، وقد تزايدت هذه الاتهامات منذ توقيف عدد من المواطنين الأوروبيين في إيران خلال الأعوام الأخيرة، وفي هذا السياق، تأتي قضية مهدية إسفندياري عند تقاطع حساس بين إنفاذ القانون الجنائي الفرنسي، والتوترات السياسية المتصاعدة بين باريس وطهران، ما يجعل نتائجها محط أنظار داخل فرنسا وخارجها.











